أمرت وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، يوم الجمعة الماضي، طاقم مهمة كرو-12 المكون من أربعة رواد فضاء بالاحتماء في كبسولة كرو دراغون وارتداء بدلاتهم الفضائية، وذلك بعد ارتفاع حاد في معدل تسرب الهواء داخل الوحدة الروسية زفيزدا على متن محطة الفضاء الدولية. هذا الإجراء الوقائي يأتي استجابة لتضاعف فقدان الهواء من نحو 0.45 كيلوغرام يومياً إلى ما يقرب من 0.9 كيلوغرام يومياً، وفق ما نقله مسؤول كبير في ناسا شريطة عدم الكشف عن هويته. وقد وجه مركز التحكم التابع لناسا الرواد بالدخول إلى مركبة الإنقاذ بالفعل يوم الاثنين الماضي الساعة 9:04 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، مع استمرار التوجيه وتعزيزه في الأيام التالية.
تضاعف معدل التسرب وتفاقم القلق
التسرب الذي كان يُعتبر بسيطاً في الأشهر السابقة تفاقم بشكل مفاجئ يوم الاثنين الماضي، ليثير مخاوف جدية حول سلامة الجزء الروسي من المحطة. وبحسب المصدر نفسه، فإن معدل فقدان الهواء قفز إلى مثليه في غضون أيام، وهو ما دفع ناسا إلى رفع درجة التأهب واتخاذ إجراءات غير مسبوقة منذ فترة طويلة. يأتي هذا التطور في وقت يعمل فيه رواد الفضاء تحت ضغط نفسي كبير، حيث أن أي خلل في نظام دعم الحياة قد يؤدي إلى كارثة في بيئة فراغية لا تحتمل الخطأ.
إجراءات الطوارئ ودور كبسولة كرو دراغون
وفي إطار الاحتياطات الوقائية، ارتدى الرواد بدلاتهم الفضائية وانتقلوا إلى كبسولة كرو دراغون المطورة من شركة سبيس إكس، والتي تظل ملتحمة بالمحطة. هذه الكبسولة ليست مجرد وسيلة نقل بل هي بمثابة قارب نجاة في حالات الطوارئ، ويمكنها فك الارتباط بسرعة وإعادة الطاقم إلى الأرض بشكل مستقل. صممت المركبة لتستوعب حتى سبعة أشخاص كما تعمل بأتمتة عالية، مما يجعلها خياراً موثوقاً في السيناريوهات الحرجة. وقد أكدت ناسا أن الأوامر مستمرة وأن الفريق يبقى في حالة استعداد دائم للانسحاب الفوري إذا تطلب الأمر.
موقف روسكوسموس: بين التأكيد والتقليل من الخطر
من جانبها، أكدت وكالة الفضاء الروسية روسكوسموس وجود تسربين في الوحدة زفيزدا، وهو مكون رئيسي في القطاع الروسي من محطة الفضاء الدولية. وأفاد بيان صادر عن الوكالة يوم الجمعة بأن التسرب الأول تم إصلاحه بالفعل باستخدام مادة مانعة للتسرب، في حين لا يزال التسرب الثاني يخضع لأعمال السد في الجزء المخروطي من حجرة الانتقال. ورغم تصاعد وتيرة التسرب، شددت روسكوسموس على أن الوضع لا يشكل تهديداً فورياً للطاقم وأن الضغط داخل المحطة يظل مستقراً. لكن التباين في التقييم بين موسكو وواشنطن يثير تساؤلات حول مدى خطورة المشكلة الحقيقية.
طاقم كرو-12: أربعة رواد في قلب الحدث
طاقم مهمة كرو-12، وهي البعثة الثانية عشرة في برنامج النقل التجاري التابع لناسا، يضم رواداً من جنسيات متعددة. الرواد هم الأمريكيان جيسيكا مير وجاك هاثاواي، ورائدة الفضاء الفرنسية صوفي أدينو من وكالة الفضاء الأوروبية، ورائد الفضاء الروسي أندريه فيدييف من روسكوسموس. انطلق هؤلاء الأربعة في فبراير 2026 في مهمة تستمر نحو تسعة أشهر، لكنهم الآن يواجهون موقفاً لم يكن في الحسبان. جميعهم تلقوا الأوامر بالتوجه إلى كبسولة كرو دراغون، حيث يبقون في حالة تأهب قصوى لحين زوال الخطر أو اتخاذ قرار بالإخلاء الفعلي.
محطة فضائية عمرها عقود وتحديات تقنية متزايدة
تدور محطة الفضاء الدولية على ارتفاع نحو 400 كيلومتر فوق سطح الأرض، وهي أكبر هيكل بناه الإنسان في الفضاء ومأهولة بشكل مستمر منذ عام 2000. تمثل المحطة ثمرة تعاون دولي يشمل الولايات المتحدة وروسيا وكندا واليابان ودول أوروبية، لكن الوحدة زفيزدا الروسية تعتبر حجر الزاوية في الهيكل. تبلغ أبعاد المحطة حجم ملعب كرة قدم تقريباً، وتكمل حوالي 16 دورة حول الأرض يومياً، ويمكنها استيعاب حتى سبعة رواد في مهمات طويلة الأمد. لكن الحادثة الحالية تبرز هشاشة هذا البنية التحتية المتقادمة، خاصة مع تقدم عمر المحطة وتراكم الضغوط على أنظمتها.
ومع استمرار أعمال الصيانة والإصلاح، يبقى طاقم كرو-12 في حالة ترقب دائم داخل كبسولة كرو دراغون، مرتدين بدلاتهم الفضائية استعداداً لأي طارئ. هذا الإجراء غير المسبوق يسلط الضوء على التحديات اللوجستية والنفسية التي يواجهها رواد الفضاء في مثل هذه الظروف الحرجة.
