The Premise News
العلوم

عندما هبط ثاني أكسيد الكربون إلى 240 ppm: نقطة تحول غير متوقعة في تاريخ أنتاركتيكا الجليدي

Victória dos Santos de Sá
عندما هبط ثاني أكسيد الكربون إلى 240 ppm: نقطة تحول غير متوقعة في تاريخ أنتاركتيكا الجليدي PHOTO BY The Premise News | IA OPENAI

الغطاء الجليدي في أنتاركتيكا تجاوز نقطة تحول حادة قبل مليون عام، ليصبح أكثر حساسية بكثير للتغيرات المناخية، وفق دراسة حديثة نشرتها مجلة Nature Geoscience. هذه النتيجة تنسف الافتراضات السابقة بأن التغيرات في الجليد القطبي كانت تدريجية وخطية. بدلا من ذلك، كشفت عمليات المحاكاة الحاسوبية أن الجليد انتقل فجأة إلى حالة جديدة من التفاعل المكثف مع العوامل البيئية بعد تجاوز عتبة مناخية محددة. هذا الاكتشاف يغير فهم العلماء للآليات التي تتحكم في واحدة من أكبر كتل الجليد على الأرض، ويفتح الباب أمام مراجعة جذرية للنماذج المستخدمة لتوقع ارتفاع مستوى البحر.

رحلة إلى الماضي: اكتشاف نقطة التحول

ركزت الدراسة على ما يعرف بـ انتقال البليستوسين الأوسط، وهي مرحلة زمنية امتدت بين حوالي 1.2 مليون و700 ألف سنة مضت. قبل هذا الانتقال، كانت دورات التجلد والاحترار على الأرض تحدث كل 41 ألف سنة بشكل منتظم نسبيا. بعد ذلك، امتدت هذه الدورات إلى حوالي 100 ألف سنة، مع فترات باردة أطول وأكثر شدة. على الرغم من أن العلماء كانوا يعرفون بوجود هذا التحول، فإن الأدلة التفصيلية حول كيفية استجابة الطبقات الجليدية خلاله كانت مفقودة بسبب ندرة السجلات المناخية القديمة التي تغطي تلك الفترة البعيدة. هنا يأتي دور فريق بحثي بقيادة كيونغ سوك يون من مركز فيزياء المناخ في جامعة بوسان الوطنية في كوريا الجنوبية، الذي استخدم نماذج حاسوبية عالية الدقة لسد هذه الفجوة المعرفية.

دور ثاني أكسيد الكربون في تغيير قواعد اللعبة

قام الباحثون بإدخال بيانات درجات الحرارة والتساقطات في نموذج متخصص يحاكي سلوك الطبقات الجليدية في أنتاركتيكا، قادر على تتبع عمليات مثل التدفق والسمك والتسخين الداخلي والتفاعل مع المحيط. تطلبت هذه المحاكاة استخدام أحد أقوى الحواسيب الفائقة العلمية في كوريا الجنوبية. بهذه الطريقة، اكتشف العلماء نقطة تحول غير معروفة سابقا: عندما انخفض تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي إلى أقل من حوالي 240 جزءا في المليون، تغير نمط استجابة الغطاء الجليدي بشكل جذري. هذا يعني أن العتبة المناخية الحرجة لم تكن فقط في درجة الحرارة، بل في تركيز الغازات الدفيئة نفسها، وهو ما يحمل دروسا مباشرة للعصر الحالي حيث ترتفع مستويات CO2 بسرعة.

ثلاثة عوامل حاسمة وراء التحول المفاجئ

وفقا لمؤلفي الدراسة، فإن التحول لم يكن تدريجيا، بل حدث بشكل مفاجئ نسبيا. بعد تجاوز عتبة ثاني أكسيد الكربون تلك، بدأ الجليد يتفاعل بطريقة مضاعفة مع المحفزات البيئية، وهو تغيير جوهري في أداء النظام. يحدد الباحثون ثلاثة عناصر رئيسية ساهمت في هذه النقطة الحرجة. أولها هو تبريد المحيطات خلال العصور الجليدية، مما قلل من ذوبان قاعدة الأنهار الجليدية. ثانيا، انخفاض مستوى سطح البحر العالمي، الذي بإزالة الضغط عن القشرة الأرضية، سمح لقاع الصخور تحت أنتاركتيكا بالارتفاع ببطء. هذا الارتفاع، إلى جانب المياه الأكثر برودة، شجع على تراكم الجليد في المناطق الساحلية وتشكيل طبقات أكثر سمكا واستقرارا. معا، خلقت هذه العوامل حالة مناخية جديدة حيث أصبح الغطاء الجليدي أكثر مقاومة وفي الوقت نفسه أكثر حساسية للتغيرات البيئية.

الآثار على النماذج المناخية الحالية

رغم أن الأحداث التي حللها الفريق وقعت قبل مليون سنة، فإن استنتاجات الدراسة تحمل صلة مباشرة بالوضع الراهن. إنها تعزز وجود ما يسمى بنقاط التحول المناخي — حدود تتجاوزها يمكن للنظام أن يتغير بشكل مفاجئ ولا رجعة فيه. إذا كانت الطبقة الجليدية في أنتاركتيكا قادرة على تغيير حساسيتها بشكل كبير استجابة للتبريد، فمن الممكن أن تشهد تحولات حادة أيضا في وجه الاحترار العالمي. يقول المؤلف المشارك أكسل تيمرمان: إن البحث يظهر أن الجليد القطبي يمكن أن يستجيب للقوى الخارجية بشكل أكثر شدة مما كان يعتقد سابقا، مما يشير إلى أن بعض التوقعات قد لا تلتقط التحولات السريعة في النظام. أنتاركتيكا تعتبر من أكبر مصادر عدم اليقين في تقديرات ارتفاع المحيطات لهذا القرن، وفهم آليات استجابة الغطاء الجليدي أمر ضروري لتحسين النماذج المناخية.

ما يعنيه هذا لمستقبل ارتفاع مستوى البحر

المساهمة الرئيسية للدراسة هي تقديم أدلة على أن الجليد قد تجاوز بالفعل عتبة حرجة في الماضي. مع تحديد نقطة التحول هذه، يكتسب العلماء أداة جديدة لصقل التوقعات حول مصير المناطق الساحلية في كوكب يزداد احترارا. إذا كان الغطاء الجليدي يمكن أن يتغير بشكل غير خطي استجابة لانخفاض ثاني أكسيد الكربون، فإنه قد يفعل الشيء نفسه استجابة للارتفاع الحالي في تركيز الغازات الدفيئة. وهذا يعني أن السيناريوهات المتوقعة لارتفاع سطح البحر قد تكون أقل خطورة مما ينبغي، إذا لم تأخذ في الاعتبار إمكانية التغيرات المفاجئة. العمل المستقبلي للمجتمع العلمي سيركز على تحديد العتبات المماثلة في ظروف الاحترار، ودمج هذه المعرفة في نماذج المناخ العالمية.

رأي تحرير The Premise News: الدراسة المنشورة في Nature Geoscience لا تكشف فقط فصلا مظلما من تاريخ الأرض المناخي، بل تنبه إلى هشاشة التوقعات الحالية. ما هو على المحك هو مصداقية النماذج التي توجه سياسات التكيف الساحلي العالمية. اكتشاف نقطة تحول قبل مليون عام يظهر أن الجليد يمكن أن يتغير بشكل مفاجئ، متحديا الافتراض بأن التغييرات ستكون تدريجية. هناك توتر واضح بين ما تتوقعه النماذج وبين ما تشير إليه البيانات القديمة عن احتمالات أخرى. في الأشهر القادمة، يجب على المجتمع العلمي تكثيف التدقيق في عتبات ثاني أكسيد الكربون ودرجات الحرارة التي قد تؤدي إلى استجابات غير خطية في الجليد. على القارئ متابعة النقاشات حول نقاط التحول وكيف يمكن أن تعيد تعريف أهداف خفض الانبعاثات العالمية. في النهاية، تذكرنا الدراسة أن تاريخ المناخ ليس قصة خطية، بل سلسلة من القفزات والانكسارات التي لا تزال البشرية تتعلم توقعها.

ما رأيك؟